محمد اكويندي
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

محمد اكويندي

مرحبا بكم في منتدى محمد اكويندي
 
الرئيسيةالبوابةأحدث الصورالتسجيلدخول

 

 السرد العربي : قضايا وإشكالات السرد العربي : سعيد يقطين

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
بواسطة محمد محمد اكويندي




عدد الرسائل : 18
تاريخ التسجيل : 12/01/2007

السرد العربي : قضايا وإشكالات السرد العربي : سعيد يقطين Empty
مُساهمةموضوع: السرد العربي : قضايا وإشكالات السرد العربي : سعيد يقطين   السرد العربي : قضايا وإشكالات السرد العربي : سعيد يقطين Icon_minitimeالإثنين يناير 15, 2007 4:30 am

. تقديم
1 . 1. يعتبر السرد العربي واحدا من القضايا والظواهرالتي بدأت تستأثر باهتمام الباحثين والدارسين العر ب . وسيكون هذا البحث محاولة للتفكير ، وتقديما لمجموعة من القضايا والمشاكل التي تعترض الدرس الأدبي العربي بصفة عامة ، والتي سنحاول تجسيدها من خلال تناول السرد العربي باعتباره من الموضوعات التي تملي علينا الكثير من العمل والبحث . ذلك لأني أتصور أن أي تفكير في جملة القضايا والمشاكل التي تعترضنا إذا لم يطرح إشكالات ، ولم يسع إلى اقتراح رؤيات وتصورات فلا يمكن أن يكون إلا استعراضا لمعلومات ، وعرضا لأفكار وتصورات جاهزة . ولهذا جعلت تجسيد هذه القضايا السرد العربي من خلال طرح تقديم بعض السؤالات ، وطرح بعض الإشكالات

1 . 2. سنتناول هذا الموضوع من خلال ثلاث سؤالات : 1. ماهو السرد العربي ؟. 2. لماذا نهتم به الآن؟. 3. كيف نتعامل معه ؟ .
نرمي إلى الإجابة عن هذه السؤالات ، وما يمكن أن يتولد عنها من أسئلة فرعية ، من خلال طرح ثلاثة إشكالات أراها تتعلق الآن وفي المستقبل بقضايا ما أسميه بـ الفكر الأدبي العربي ، وما تُفرض عليه من أمريات لينخرط في التفكير ، وفي محاولة الإجابة عن مختلف المسائل والقضايا التي تطرح على الدرس الأدبي ، وعلى كل ما يرتبط به من قضايا ومسائل تمتد لتلامس الإنسان العربي بوجه عام .

2 . السرد العربي : مفهوم جديد :


2 . 1. عندما نطرح السؤال الأول حول السرد العربي ، فإن أول ما سيتبادر إلى الأذهان هو : هل هناك سرد عربي ، وآخر غير عربي ؟ وقبل ذلك ماذا نقصد ب السرد حتى نضيف إليه صفة العربي ؟ وهل ، عندما نقول السرد العربي الآن ، يوحي هذا المفهوم بالنسبة إلينا جميعا بنفس الأشياء ؟ ...أم أن كل واحد منا يمكن أن يتصور من خلاله اشياء خاصة تخالف ما يتصوره غيره ؟ أسئلة عديدة يمكن أن تتناسل من السؤال الأول ، وعلينا أن نتتبعها ، ونعمل على تأطيرها ضمن إشكال مركزي بقصد الإجابة عليها .

2 . 2. إن أول شيء يمكننا تقديمه في هذا النطاق هو أن هذا المفهوم جديد . ومعنى ذلك أننا لم نكن نستعمله في كل ما كنا نشتغل به ونبحث فيه بصور عديدة وتحت تسميات مختلفة تتصل به بوجه أو بآخر . وسنعمل هنا على إدراجها كلها تحت هذا المفهوم .
إننا نضع المفاهيم كمقابل للتجليات . ونرى أن المفاهيم وليدة الوعي بالظاهرة، وامتلاك القدرة على فهمها وتفسيرها ،، وهذه المفاهيم ، للتوضيح ، تتصل بتسمية الأشياء ، ووضعها في نسق ينظم علاقاتها بغيرها ، ويحدد موقعها منها . أما التجليات فهي الصور الأولية التي تتحقق بها الأشياء ، وتتحول من ثمة إلى ظواهر قارة وثابتة ، ولها وجودها الخاص واستقلالها ، أو شبهه ، عن غيرها .

نضرب ، لتقريب هذه المقابلة بين المفهوم والتجلي ، مثالا مما هو معروف ومتداول بيننا. إن التناص مفهوم جديد في الدراسة الأدبية الحديثة . وهو نتاج التطور الحاصل في اللسانيات وفي العلوم الأدبية الجديدة. جاء هذا المفهوم ليحدد ظاهرة نصية ويبرّزها في الوعي النقدي . لكن ممارسة التناص أو التجلي التناصي سنجده قديما قدم النص كيفما كان جنسه أو صورة إبداعه .

نقول الشيء نفسه عن السرد العربي ، فهو قديم قدم الإنسان العربي . وأولى النصوص التي وصلتنا عن العرب دالة على ذلك . مارس العربي السرد والحكي ، شأنه في ذلك شأن أي إنسان في أي مكان ، بأشكال وصور متعددة ، وانتهى إلينا مما خلفه العرب تراث مهم . لكن السرد العربي كمفهوم جديد لم يتبلور بعد بالشكل الملائم ، ولم يتم الشروع في استعماله إلا مؤخرا وبصور شتى .

2 . 3. يتولد المفهوم الجديد ، أي مفهوم كيفما كان نوعه ، بناء على :
ا .) مقتضيات واستجابات لدوافع جديدة تستدعيه وتتطلبه ، وسنبين ذلك عندما ننتقل إلى السؤال الثاني .
ب .)أنه يأتي ليعوض ، أو ليتجاوز ، أو يجدد ، أو ليحل محل مفاهيم قديمة ، أو استعمالات متنوعة .
ج .) أن المفهوم الجديد وهو يأتي ليحل محل استعمالات متعددة ، يتخذ بعد المفهوم الجامع الذي يستوعب غيره من المفاهيم ، ويكسبها دلالات جديدة ، تتهيأ لها في ضوء السياق الذي تولد فيه المفهوم الجديد.

إذا رجعنا إلى مثال التناص ، نعاين أن المفاهيم البلاغية العديدة التي وظفها العرب مثل السرقات ، والأخذ، والاقتباس ،،، يمكن أن يتضمنها هذا المفهوم جميعا ، ويعطيها أبعادا جديدة تبعا للسياق الذي تشكل في نطاقه.

و ينطبق الشيء نفسه على مـفهوم السـرد العربي كما أتصور . ذلك لأننا سنجد أنفسنا أمام استعمالات عديدة ، قديمة وحديثة ، لا رابط بينها ولا ناظم . نجد من بين هذه الاستعمالات : الأدب القصصي ، أدب القصـة ، النثر الفني ، القصة عند العرب ، الحكايات العربية ،،، وما شاكل هذا من المفاهيم . ومعنى ذلك أننا عندما نقول مفهوما جديدا ، فإن هذا المفهوم الجديد نوظفه ليكون مفهوما جامعا من جهة ، وليكون دقيقا وشاملا من جهة ثانية .

2 . 4. إن المفهوم الجامع يستوعب أشكالا متعددة من الممارسات والتجليات النصية ، ويغطي تسميات عديدة ألحقت بتلك الأشكال وفي مختلف الحقب . وذلك على اعتبار أن التسميات السابقة كانت محدودة وضيقة عن الشمول ، أو كانت تحكمها رؤيات خاصة ، وهذا ما جعلها غير دقيقة عكس المفهوم الجامع . إنه يرصد الظاهرة في كليتها ، ويسعى إلى الإحاطة بمختلف حيثياتها وملابساتها . ويغدو تبعا لذلك قادرا على جعلنا ، في إطار توظيفه التوظيف المناسب ، نفهم الظاهرة بصورة أحسن وأوضح .

أما المفاهيم القديمة فإنها ، بسبب طبيعة تشكلها وطريقة توظيفها ، تصبح مفهومة فهما خاصا وضيقا ، كما أن دلالاتها تغدو محدودة ومكرورة ، بحيث لاتسهم في إضاءة الظاهرة ، ولا تعميق النظر إليها . وهذا حال العديد من الاستعمالات التي يمكن أن نمثل لها في حينها .

2 . 5. إننا ، وإلى وقت قريب جدا ـ ولم لانقول إلى الآن ؟ ـ نتحدث عن الرواية ، والقصة ، والمسرحية ، ونتحدث عنها جميعا باعتبارها أنواعا أدبية ، شأنها في ذلك شأن الشعر . ويبرز لنا ذلك بجلاء من خلال مقرراتنا في الثانوي والجامعي . كما أن أنواع المجالات التي تحدد للجوائز العربية ما تزال تعتمد التقسيم نفسه . فهناك الشعر من جهة، والقصة والرواية والمسرحية من جهة أخرى . إن هذه الأنواع، وهناك يستعمل بصددها مفهوم الأجناس ( ؟ ) أيضا ، يتم التعامل معها باعتبارها تندرج مجتمعة ضمن مفهوم واحد جامع هو الأدب .

لقد انتبه العرب المحدثون إلى أن الأدب العربي متعدد الأنواع والفنون . وظهرت دراسات وأبحاث تتناول بعض هذه الأنواع منفصلة أو متصلة . نذكر من هذه الدراسات التي تتعلق بموضوعنا للاستئناس كتاب قصصنا الشعبي لفؤاد علي حسنين [S1] (1)، و الأدب القصصي عند العرب لسليمان موسى(2) ،،، ومن الدراسات الجديدة نذكر كتاب بناء النص التراثي (3) و السردية العربية: بحث في البنية السردية للموروث الحكائي العربي (4) و التراث القصصي في الأدب العربي (5)و سرديات العصر العربي الإسلامي الوسيط(6)،،، وهناك العديد من الدراسات العربية التي باتت تسير في هذا الاتجاه من الاهتمام .
إن أغلب هذه الدراسات تتفق مجتمعة على أن القصص أو الموروث الحكائي العربي غني ومهم ويستدعي البحث والدراسة . وفعلا عندما نعود الآن إلى ما تركه العرب في هذا المضمار سنجد أنفسنا أمام تراث مهم. هذا التراث أثار الانتباه إليه منذ عصر النهضة ، لكن ذلك لا يتناسب وما عرفه هذا التراث من إنتاج ضخم . لذلك لايمكننا إلا أن نقول إن دراسة هذا التراث ماتزال قليلة ومحدودة. ومعنى ذلك أن بعض ذيول التصورات القديمة حول مانسميه بالسرد العربي ما تزال تفرض نفسها بإلحاح . ومجمل هذا التصور أن هناك ديوانا وحيدا تركه العرب هو الشعر ، وما عداه من الأنواع والفنون فلا يرقى إلى الشعر . ونعاين في هذا النطاق أن هناك بونا شاسعا بين التصور والواقع .

2 . 6 . في التصور : إن بعض الأقوال المأثورة يكون لها تأثير سحري في تاريخ الأمم والشعوب، فتحدد من ثمة صيرورة الأمة بكاملها وتوجِّه مسارها وجهة خاصة ، أحقابا وأجيالا . من بين الأقوال التي كان لها دور خاص في الثقافة العربية نجد تلك التي تقرر أن الشعر ديوان العرب . لقد فهمت هذه القولة فهما حرفيا خاصا ، وصارت منذ أن أطلقت في صدر الإسلام تمارس ذلك التأثير السحري الذي وسم الثقافة والأدب العربيين بسمة خاصة ظلت تلازمه أمدا طويلا من الزمان . وبمقتضى ذلك انصبت الأنظار على الشعر ، وانصرفت أو كادت تنصرف عما عداه من الخطابات التي أنتجها العربي في تاريخه الطويل .
إن السرد واحد من تلك الخطابات التي تأثرت سلبا بآثار تلك القولة ، ونفوذها السحري ، فغدت بمنأى عن الاهتمام النقدي والتنظيري في المجهودات التي ترك لنا العرب من خلالها تراثا مهما وهائلا . وبالمقابل، وهنا مكمن المفارقة ، ظل العرب ينتجون السرد ويتداولون كل ما يتصل به ، ويندرج في إطاره من أخبار وحكايات وقصص وسير...
لقد انصب الاهتمام على الشعر باعتباره ديوان العرب . لكن ديوانا آخر ظل يزاحمه المكانة نفسها على الصعيد الواقعي . بل إننا نجده في أحيان عديدة تبوأ مكانة أسمى ، سواء من حيث الإنتاج أو التلقي . نشير هنا باقتضاب إلى المساجلات التي تمت بصدد الشعر والنثر والمفاضلات التي أثيرت بينهما منذ القرن الثالث الهجري . لكن المعرفة الأدبية القائمة على التقليد الثقافي السائد لم توله ما يستحق من العناية والاهتمام . فظل أبدا مجالا مُشرَعا للإبداع وإن بقي يقابل بالإهمال ، وأحيانا بالازدراء . وهناك أدبيات كثيرة ومصادرات عديدة ونوادر تحكى حول القاص في مختلف المصنفات العربية القديمة(7).

2 . 7 . في الواقع : رغم كل هذه المصادرات والنوادر ظل ذلك الديوان ( أقصد السرد ) فارضا نفسه ، ومضمارا أصيلا أبدع فيه العربي ، وعلى مدى عصور طويلة ، نصوصا في منتهى البراعة والحس والجمال . ولقد وصل العديد منها إلى مستوى العالمية ، وصار إنتاجا إنساني البعد والنزعة ، وعلى درجة سامية من الإبداع الإنساني الرفيع ( نذكر هنا للتمثيل فقط ألف ليلة وليلة ، أو الليالي العربية كما تعرف بذلك في الغرب).
إنها مفارقة حقيقية فعلا . ذلك لأننا نجد الإنتاج ، حين يتعلق الأمر بالسرد ، مهما وغزيرا ، ولكننا بالمقابل نجد الثقافة العالمة لا تضعه في صلب انشغالاتها في البحث والدراسة أمدا طويلا من الدهر . لقد أنتج العرب السرد وما يجري مجراه ، وتركوا لنا تراثا هائلا منذ القدم ( ما قبل الإسلام ) . وظل هذا الإنتاج يتزايد عبر الحقب والعصور، وسجل لنا العرب من خلاله مختلف صور حياتهم وأنماطها، ورصدوا من خـلاله مختلف الوقائع وما خلفته من آثار في المخيلة والوجدان ، وعكسوا عبرتوظيفهم إياه جُلَّ إن لم نقل كل صراعاتهم الداخلية والخارجية ،،، كما تجسدت لنا من خلاله مختلف تمثلاتهم للعصر والتاريخ والكون ، وصور تفاعلاتهم مع الذات والآخر...

2. 8 . وإذا ماعرفنا السرد بأنه نقل الفعل القابل للحكي من الغياب إلى الحضور ، وجعله قابلا للتداول ، سواء كان هذا الفعل واقعيا أو تخييليا ، وسواء تم التداول شفاها أو كتابة ، ونظرنا في تاريخ الإنسان العربي وموقعه الجغرافي منذ القدم بين حضارات مختلفة ، لظهر لنا فعلا أن الحضارة العربية لايمكنها أن تقوم فقط على الشعر ، ولكن على السرد أيضا . ونريد أن نغامر لنقول إنها قامت ، وبصورة أعم على السرد . إن السرد ديوان آخر للعرب ( ولنتذكر الأسمار والمجالس ) ، بل وهنا يمكن أن أجلي مبالغتي ، وأقول إنه أهم وأضخم ديوان ، ولا سيما عندما نتبين أن جزءا أساسيا من الشعر العربي ينهض على دعائم سردية .

3 . الوعي بالسرد :


3 . 1 . يفرض السؤال الثاني نفسه ، هنا ، بإلحاح . لماذا نهتم به الآن ؟ . وما جدوى العناية به وترهين الاهتمام به بعد أن قضى أعصرا كثيرة وهو مقصى من دائرة البحث ؟
هناك أسباب كثيرة لذلك في رأيي ، ويمكن أن أجملها من خلال سببين اثنين :
3 . 1 . 1 . إن الأمم في كل حقبة من حقب تطورها مدعوة إلى تجديد النظر في تاريخها وتراثها بما يتلاءم وتصوراتها الجديدة وتطلعاتها الحديثة . وهذه المسألة ليست وقفا على الأمة العربية دون غيرها . كل الأمم في كل مرة تعود إلى تاريخها ، وتعيد قراءته و النظر فيه بمنظور جديد ومغاير ، وفق ما تمليه عليها المعارف الجديدة التي حصلتها في مسيرتها ، وتبعا للإلزامات والأمريات التي تفرض نفسها عليها في راهنها. وعندما ننظر الآن إلى التراث الغربي وكيف يتعامل معه الغربيون المحدثون ، وكيف يعيدون قراءته وفهمه فهما جديدا وفي ضوء التطورات المعرفية الحديثة لظهر لنا أننا لسنا متميزين في هذا المضمار . إننا ومنذ عصر النهضة ، وإلى الآن ، وإشكالات التراث والحداثة والتاريخ تستقطب منا الاهتمام الزائد والمبالغ فيه . وستظل هذه الإشكالات مطروحة وفارضة نفسها ما لم يتم تجاوزها بالوعي العملي الذي يعمق رؤيتنا إلى ماضينا ، ويجدد طرائق تعاملنا معه .

3. 1. 2 . ليس المهم هو فقط في تجديد النظر في التاريخ وفي التراث. ولكن الأهم هو التطور في تقديم الإشكالات بالإجابة عنها ، وتحقيق التراكم المتحول إلى نوع بشأنها . ما وقع بالنسبة إلينا هو أننا حققنا تراكمات كمية لا نوعية ، وعمودية لا أفقية . وهذه المسألة لاتتعلق بالدرس الأدبي فقط ، ولكن بكل المجالات والحقول . إن الانتباه إلى السرد العربي ، والوعي به ، جزء من الأبعاد والمرامي البعيدة التي نريد تحقيقها من خلال إعادة النظر في تصوراتنا الأدبية القديمة وامتداداتها في عصرنا الراهن ، وتجديد رؤيتنا إلى الإنتاج العربي في مختلف مستوياته وتجلياته .

تسمح لنا إعادة النظر ، و يتيح لنا تجديد الرؤية ، بالتفكير في إشكالات جديدة ومغايرة ، وربطها بنظيراتها من الإشكالات التي ظلت تفرض نفسها ، وتحملنا على الوعي بها ، وترهين التعامل معها في سياق التحولات العامة والخاصة التي تحيط بها ، وذلك انطلاقا ، مما نحن بصدده ، من :
ا . ) اعتبار السرد العربي رديفا للشعر العربي ، وأن شخصا آخر يزاحم الشاعر المكانة هو الراوي . ومعنى ذلك أننا سنعطي لمظهر ووجه آخر من النشاط الثقافي العربي حضوره وحظوته من الاهتمام والوعي. هذا النشاط أو الإنتاج الذي ظل مغيبا ، ومهمشا ، ردحا طويلا من الزمان .
ب . ) سيدفعنا هذا التصور إلى النظر في النصوص التي تركها لنا العرب ، ونتناولها بصورة جديدة . ومعنى هذا أن العديد من المؤلفات والمصنفات العربية قرأناها سابقا بمنظور معين ووفق رؤية خاصة ، ولكننا عندما نحاول الآن قراءتها في ضوء التصور الذي نسعى هنا إلى تقديم عناصره الأولية والعامة ، سنجد أنفسنا أمام أفق مغاير للبحث والدراسة .

3 . 2 . نمثل لذلك بكتابين مشهورين في ثقافتنا العربية . أولهما البيان والتبيين للجاحظ . لقد تم التعامل مع هذا الكتاب بصورة خاصة باعتباره مصدرا بلاغيا أو نقديا . لكن يمكن النظر إليه بصفته خزانة سردية أيضا. وقس على هذا . وثاني الكتب الأغاني للأصبهاني . إنه ليس ديوانا للشعر العربي كما يتم الاشتغال به عادة، ولكنه علاوة على ذلك ذخيرة للنصوص السردية واقعية كانت أو متخيلة . وآن الآوان للنظر في العديد من الإنتاجات العربية باعتبار ما تستوعبه من نصوص سردية غنية ومهمة . ومن خلال تجربتي الشخصية ، يظهر لي أنه لولا اهتمامي السردي ماكان لي أن أعود إلى العديد من المؤلفات العربية التي كنا نعتقد أنها تتصل بمجال ضيق لاتتعداه إلى غيره .إننا عادة ما نحنط أعمالا بعينها ، بوضعنا إياها في خانة معينة ، ونرى أن التعاطي معها يخرج عن دائرة اهتمامنا . وبذلك نتصور أن هذه الكتب للبلاغي ، وتلك للفقيه ، وهذه للباحث في الشعر ، وسواها للمؤرخ أو المفسر ،،، في حين نلاحظ أن إعادة النظر هاته ، تتيح لنا رؤية مغايرة ، وتصورا مخالفا . وما قلناه عن البيان والأغاني يمكننا قوله عن القرآن الكريم والحديث النبوي ، وعن كتب التاريخ والجغرافيا والرحـلات والأخرويات والكونيات ،،، وكتب تعبير الأحلام ، ومناقب الصوفية وكرامات الأولياء وسواها . هذا إلى جانب ما نسلم بأنها أعمال حكائية واضحة الملامح كالحكايات العـجيبة والقصص والسير . ونتعامل مع هذه النصوص المختلفة سواء كانت لمؤلفين معروفين أو مجهولين، وسواء كانت تنتمي إلى الثقافة العالمة أو الشعبية ، وفي الشعر أو النثر ، وسواء اتصلت بالمقدس أو المدنس ، ومطبوعة كانت أو مخطوطة…

3 .3 . إن إعادة النظر بهذه الصورة إلى تراثنا السردي ، لا تتصل فقط بالرجوع إلى الماضي كما يحلو للبعض أن يلاحظ ، والاحتماء به ، أو الابتعاد عن مشاكل العصر . إنها رجوع إلى ماض منسي ، ومغفل، ومهمش . كما أن هذه العودة حين تتم من منظور جديد ، فإنها ترمي إلى تغيير رؤيتنا إلى الماضي ، وتوجيهها وجهة أخرى ، لا يمكنها إلا أن تسهم في تطوير رؤياتنا إلى النص العربي ، وتطوير أدواتنا وإجراءاتنا . نعود إلى السرد العربي باعتباره موضوعا ، لأننا صادرناه ، فلم ندرسه بما يكفي ، ولم نضعه في نطاق الإنتاج العربي الذي اهتممنا به وركزنا عليه . وبهذه العودة تتغير طرائق تفكيرنا في الموضوع لأن ترهين هذا الموضوع بشكل جديد يستدعي كيفيات جديدة في البحث وفي التفكير . إذ لا يعقل أن نتعامل معه بالتصورات العتيقة نفسها التي ساهمت في تغييبه وعدم الالتفات إليه في فترات خلت . وذلك ما يمكن أن نتوقف عنده في السؤال الثالث ، وما يثيره بدوره من إشكالات .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
السرد العربي : قضايا وإشكالات السرد العربي : سعيد يقطين
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1
 مواضيع مماثلة
-

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
محمد اكويندي :: التصنيف الأول :: دراسات أدبية-
انتقل الى: