محمد اكويندي
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

محمد اكويندي

مرحبا بكم في منتدى محمد اكويندي
 
الرئيسيةالبوابةأحدث الصورالتسجيلدخول

 

 خيبات" بيكيت تصدم مسار النثر العالمي

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
بواسطة محمد محمد اكويندي




عدد الرسائل : 18
تاريخ التسجيل : 12/01/2007

خيبات" بيكيت تصدم مسار النثر العالمي Empty
مُساهمةموضوع: خيبات" بيكيت تصدم مسار النثر العالمي   خيبات" بيكيت تصدم مسار النثر العالمي Icon_minitimeالجمعة يناير 12, 2007 4:04 pm

خيبات" بيكيت تصدم مسار النثر العالمي



"نصوص من أجل لا شيء"

التقديم والترجمة : هنري فريد صعب

عرف القارىء العربي صموئيل بيكيت (نوبل 1969) ككاتب مسرحي طليعي، وبخاصة من خلال مسرحيته "في انتظار غودو" التي لفتت العالم اليه، بعد ترجمتها الى مختلف لغات العالم. الا ان بيكيت في الاساس روائي وصاحب اسلوب خاص فريد من نوعه. فسنة 1950 كتب مجموعة من ثلاثة عشر نصا سماها "نصوص من اجل لا شيء" سوف تشكل مفترقاً في مساره ونسيجاً - صدمة في مسار النثر الفرنسي وحتى العالمي. في هذه النصوص سيبلغ النثر نقطة اللارجوع، اذ عليه ان يستمر في مأساة الكتابة من دون ان يعرف لماذا بدأ والى اين سيصل، ولماذا عليه ان يبدأ وعليه ان يصل. نص بعد نص، منذ البداية في انتظار النهاية، ولا بداية ولا نهاية. نص بعد نص، بل "خيبة" بعد "خيبة" في عبثية تتقاذف الكلمات لا لتنفي ولا لتثبت شيئاً. لكنّ ما يعزّي في النهاية ان هذه "النصوص" او هذه "الخيبات" بالاحرى، تنتهي بنا مرغمة، الى اكتشاف شكل جديد من اشكال الكتابة، يضع هذه الاشكال في موضع تساؤل دائم، وحتى مفهوم الادب بالذات. هي ذي ترجمة النص الاول كاملا، وربما للمرة الاولى بالعربية، بحسب علمي، لأحد كبار كتّاب الاساليب :.

فجأة، لا، غالباً، غالباً، ما عجزت ، ما عجزت عن الاستمرار. احدهم يقول، لا يمكنك البقاء هناك. لم اكن استطيع البقاء هناك. ولم اكن استطيع الاستمرار. سأعمد الى وصف المكان، وهذا لا اهمية له. قمة جبل جد مسطحة، لا، قمة تل، لكن مهجورة الى ابعد حد، وموحشة الى ابعد حد، بما فيه الكفاية. وَحْلٌ، خَلَنْجٌ بعلو الركبة، دروب شياه غير مرئية. بقاع جرداء عميقة. في جوف احداها كنت ارقد، اتقاء للريح. بانوراما رائعة، لولا الضباب الذي كان يحجب كل شيء، الاودية، البحيرات، السهل والبحر. كيف استمر؟ كان يجب الا ابدأ، بلى، كان يجب. احدهم يقول، ربما الشخص نفسه، لماذا انت جئت؟ كان من الممكن ان ابقى في ركني، في الدفء، في الجفاف، آمنا، لم اكن استطيع. سوف اصف ركني، لا، لا استطيع. في بساطه، لا استطيع شيئا قط، هذا ما يقال.
اقول للجسد، هيا، قف، واحس بالجهد الذي يقوم به، كي يطيع، كقطعة لحم رديء قديمة سقطت في الشارع، او الذي لم يعد يقوم به، او ما زال يقوم به، قبل ان يرفض. اقول للرأس، دعه هادئاً، ابق هادئاً، فيكف عن التنفس، ثم يلهث مجددا. انا بعيد من كل هذه القصص، كان عليّ الا اهتم بها، لا حاجة بي الى شيء، ولا الى الذهاب ابعد، ولا الى البقاء حيث انا، كل ذلك فعلا يستوي عندي. كان عليّ ان اتحوّل عنهما، عن الجسد، عن الرأس، ان اتركهما يدبران امرهما، ان اتركهما يهدأان، لا استطيع، كان عليّ انا ان أهدأ. آهٍ، بلى، نحن اكثر من واحد قال، كلنا صم، لسنا حتى، متحدين من اجل الحياة. آخر يقول، او الشخص نفسه، او الاول، الجميع لهم الصوت نفسه، الافكار نفسها، لم يكن عليك سوى البقاء في بيتك. في بيتي. ارادوا ان اعود الى بيتي. الى حيث اقيم. لولا الضباب، ربما بعينين سليمتين، ومنظار، اراه من هنا. لا ليس مجرد تعب بسيط، لست تعباً في كل بساطة، رغم الصعود. ولست ارغب البتة في البقاء هنا. كنت سمعت، كان علي ان اسمعهم يتحدثون عن المنظر، عن البحر هناك في العمق كالرصاص المضغوط، عن السهل الذهبي الذي تغنّوا به كثيراً، عن الاودية المزدوجة، والبحيرات المتجمدة، وأدخنة العاصمة، لم يكن على لسانهم غير ذلك. في الواقع، من هم هؤلاء الناس؟ هل تأثّروني، سبقوني، او رافقوني؟ انا في حفرة حفرتها الاجيال، اجيال الزمن الرديء، ارقد ووجهي الى الارض السمراء، حيث تأسن، ممصوصة في بطء، مياه صفراء. هم في الاعلى، من كل ناحية، كما في مقبرة. لا استطيع ان ارفع عينيّ نحوهم، يا للخسارة. لا يمكنني ان ابصر وجوههم. ربما سيقانهم، غائرة في الخلنج. هل يرونني، ماذا يمكنهم ان يروا مني؟ ربما ليس هناك احد، ربما هم رحلوا متقززين. اصغي واسمع الافكار ذاتها، اعني ذاتها كالعادة، في فضول. اعني في الوادي تتلألأ الشمس، على هوى السماء الشعثاء. منذ متى انا هنا؟ اي سؤال طرحته غالباً على نفسي.
وغالباً كنت اجيب، منذ ساعة، شهر، سنة، مئة عام، بحسب فهمي للهُنا، للأنا، للكينونة، وفي هذا المجال لم ابحث قط عن الاشياء الفائقة، في هذا المجال لم اتغير قط كثيراً، لم يكن ثمة غير الهُنا يملك ان يتغير. او كنت اقول، يجب الا يملك ذلك طويلا، لست متشبثاً. اسمع الكراوين، وهذا يعني ان النهار يميل، ان الليل يهبط، لان الكراوين هكذا، تصيح عند اقتراب الليل، بعد صمت طوال بعد الظهر. هكذا، هكذا الحال لدى هذه المخلوقات الوحشية والقصيرة العمر جدا، بالنسبة اليّ. وهناك هذا السؤال الاخر، الذي يراودني ايضاً كثيراً، لماذا جئت، الذي بلا جواب، حتى اني كنت اجيب، لأغيّر، او، لم اكن انا، او، هي المصادفة، او ايضا، لأستبين، او اخيراً، هي سنوات الحريق الهائل، انه القدَر، احسه يقترب، ليقترب، لن يأخذني بغتة. صخب شامل، تراب عضوي اسود مشبع عليه ان يشرب ايضاً، تموّج سرخسيات ماردة، خلنج في مهاوي السكينة حيث تغرق الريح، وحياتي واغانيها القديمة، لأستبين, لأغيّر، لا، ان الامر بائن، كل شيء بائن، حتى الغَمَص، لا اذى من مأوى، الاذى تمّ، الاذى تمّ من قبل، يوماً فيما كنت خارجاً مقطوراً الى قدمي المصنوعتين لتسيرا، لتحدثا خطى، اللتين تركتهما تخطوان، اللتين جرتاني الى هنا، ذاك هو سبب مجيئي.
وما قمت به، اساسيّ، اتنفس في جهد، وانا اقول لنفسي، كلمات كأنها من دخان، لا اقوى على البقاء، لا اقوى على الذهاب، هاكم النتيجة. وكشعور؟ يا الهي، لا يمكنني ان اشكو، ذاك هو بعينه، ولكن في الخفاء، كأن تحت الثلج، اقلّ حرارة، اقل نوماً، انا ذلك تماماً، كل الاصوات، كل الاجزاء، بما فيه الكفاية. البرد يستولي عليّ، الرطوبة ايضا، واخيراً أفترض، اني بعيد. اما داء مفاصلي في اي حال، فلا افكر فيه، انه لا يؤلم غير مفاصل امي، حين يؤلمها. عين صبور ومحدّقة، عين امينة، في وجه هذا الرأس الزائغ العقابي، عين امينة، جاءت ساعتها, ربما ساعتها. انا في الاعلى وانا هنا، كما اراني، اتمرّغ مطبق العينين، واذني كمحجمة على التراب العضوي الذي يمتص. نحن على اتفاق تام، الجميع على اتفاق، في الحقيقة، منذ الابد، نتبادل الحب كثيراً، نتشاكى كثيراً، ولكن ها نحن، لا نستطيع شيئا، ما هو اكيد، انه بعد ساعة يكون فات الاوان، بعد نصف ساعة يقبل الليل، وايضا، ما هو غير اكيد، ماذا بعد، ما الذي غير اكيد، واكيد قطعا، ان الليل يمنع ما يسمح به النهار، لاولئك الذين يعرفون ان يتصرّفوا، ويستطيعون ذلك، ويستطيعون التجربة ايضا. سوف ينقشع الضباب، اعرف ذلك، نشدت عبثاً السلو، سوف تعنف الريح، هبط الليل، وعلى الجبل سوف تطبق سماء الليل، بأنوارها، بما فيها العربات، لهدايتي، مرة اخرى، لهداية خطاي، فلننتظر الليل.
كل شيء يتعرقل، الازمان تتعرقل، في البدء كنت هنا وحدي، الآن انا هنا على الدوام، بعد قليل لن اكون هنا، اعاني التعب في وسط المنحدر، او بين السرخسيات المحيطة بالغابة، انها ارزيات، لا احاول ان افهم، لن احاول ابدا ان افهم، هذا ما يقال، الان انا هنا، منذ الابد، الى الابد، لن اخاف بعد من الكلمات الرنانة، ليست هي برنانة. لا اذكر انني جئت، ولن اقوى ابدا على الرحيل، عالمي الصغير بأسره، ان عيني مغمضتان، واحس على وجنتيّ الدُّبالَ الرطب، قبعتي سقطت، لم تسقط بعيداً، او حملتها الريح بعيداً، قدّرت ذلك. وتارة هو البحر، وطوراً هو الجبل، وغالبا كانت الغابة، المدينة، السهل ايضا، السهل خَبَرتُه ايضا، سلّمت نفسي للموت في كل الزوايا، من الجوع، من الشيخوخة، مقتولا، غريقا، ثم بلا سبب، غالبا بلا سبب، من السأم، ذلك ينعش، النّفَسَ الاخير، وغرف موتي اذذاك، على فراشي، منهارا تحت امتعتي، وانا اتمتم دائماً، العبارات نفسها، القصص نفسها، الاسئلة والاجوبة نفسها، ايها الولد الطيب، كفى، في طرف عالمي، عالم من الاغبياء، ليس من لعنة، بمقدار هذا الغباء، او بالاحرى لا اذكر. بلى، حتى النهاية، في صوت خفيض، مترجحا، في صحبة رفاق، ومصغياً دائماً، مصغيا الى القصص القديمة، كما كان والدي يقرأ لي، وهو يضعني على ركبتيه، حكاية "جو بريم" او "برين"، ابن حارس منارة، مساء بعد مساء، طوال فصل الشتاء.
كانت حكاية للاولاد، جرت احداثها على صخرة، وسط العاصفة. كانت الوالدة ماتت وكانت النوارس ترتمي منسحقة على المنارة، وقذف "جو" نفسه في الماء، هذا كل ما اذكر، وبين اسنانه سكين، فقام بما يجب وعاد، هذا كل ما اذكر ذلك المساء، كان الامر ينتهي على خير، كان يبدأ منذراً بشرّ، وكان ينتهي على خير، كل الاماسي، مهزلة، للاولاد. بلى، كنت ابي وكنت ابني، طرحت على نفسي اسئلة وأجبت بقدر المستطاع، كررت على نفسي، مساء بعد مساء، القصة نفسها، التي حفظتها عن ظهر قلب، من غير ان اصدقها، او فيما كنا نتمشى يداً بيد، صامتَيْن، غارقين في عوالمنا، كل واحد في عوالمه، ويدانا منسيتان، الواحدة في الاخرى. هكذا مضيت، حتى الساعة الراهنة.
وايضا هذا المساء يبدو ذلك مناسباً، انا بين ذراعيّ، اضع نفسي بين ذراعيّ، من دون كثير حنان، ولكن في اخلاص، في اخلاص. لنرقد، مرتبكين، كما تحت ذاك المصباح، من كثرة ما تكلمنا، واصغينا، وشقينا، ولهونا.

النهار 28 /8 /2004







الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
خيبات" بيكيت تصدم مسار النثر العالمي
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1
 مواضيع مماثلة
-

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
محمد اكويندي :: مختارات-
انتقل الى: